أحمد زكي صفوت

19

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

11 - الصلح بين الحسن ومعاوية وتجهز الحسن عليه السلام للقاء معاوية ، وخرج بأصحابه إلى المدائن ، ولكنهم رأوا منه أنه يجنح إلى موادعة معاوية ومصالحته ، فثاروا به وأساءوا إليه « 1 » ، فازداد لهم بغضا ، وازداد منهم ذعرا ، ورأى الأمر قد تفرق عنه ، فبعث إلى معاوية يطلب الصلح ، وبعث معاوية إليه رسولين قدما عليه المدائن ، فأعطياه ما أراد ، وصالحاه على أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف في أشياء اشترطها . قال الطبري : « كاتب الحسن معاوية وأرسل إليه بشروط ، قال : إن أعطيتني هذا فأنا سامع مطيع ، وعليك أن تفي لي به ، ووقعت صحيفة الحسن في يد معاوية ، وقد أرسل معاوية قبل هذا إلى الحسن بصحيفة بيضاء مختوم على أسفلها ، وكتب إليه : أن اشترط في هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها ما شئت فهو لك ، فلما أتت الحسن اشترط أضعاف الشروط التي سأل معاوية قبل ذلك وأمسكها عنده ، وأمسك معاوية صحيفة الحسن عليه السلام ، التي كتب إليه يسأله ما فيها .

--> ( 1 ) وذلك أن الحسن عليه السلام لما أتى ساباط ، أقام بها أياما ، فلما أراد أن يرحل إلى المدائن ، قام فخطب الناس . فقال : « أيها الناس إنكم بايعتموني على أن تسالموا من سالمت ، وتحاربوا من حاربت ، وإني واللّه ما أصبحت محتملا على أحد من هذه الأمة ضغينة في شرق ولا غرب ، ولما تكرهون في الجماعة والألفة والأمن وصلاح ذات البين ، خير مما تحبون في الفرقة والخوف والتباغض والعداوة ، وإن عليا أبى كان يقول : لا تكرهوا إمارة معاوية ، فإنكم لو فارقتموه لرأيتم الرؤوس تندر عن كواهلها كالحنطل » ثم نزل فنظر الناس بعضهم إلى بعض ، وقالوا : ما قال هذا القول إلا وهو خلع نفسه ومسلم الأمر لمعاوية ، كفر واللّه الرجل ؛ ثم نشدوا على فسطاطه فانتهبوا متاعه حتى أخذوا مصلاه من تحته ، وانتزعوا مطرفه عن عاتقه ، وأخذوا جارية كانت معه فدعا بفرسه فركبه ، وأحدق به طوائف من خاصته وشيعته ، ومنعوا منه من أراده ، ولاموه وضعفوه لما تكلم به ، فلما مر في مظلم ساباط ، قام إليه رجل يقال له جراح بن سنان وبيده معول ، فأخذ بلجام فرسه وقال : اللّه أكبر يا حسن ! أشرك أبوك ثم أشركت أنت ! وطعنه بالمعول فوقعت في فخذه فشقتها حتى بلغت أربيته ( أصل الفخذ ) وسقط الحسن إلى الأرض